عاجل
أخر الأخبار
عبد السادة البصري بين تشظيات الدال وتكرارية الدلالة
الجمعة 06 مارس 2015
حيدر عبد الرضا
( الفعل القولي في تمظهرات مقصدية النص ) قراءة في مجموعة ( هكذا دائما)
لابد من الاشارة المقدماتية ، الى ان هناك حالة من حالات الكتابة الشعرية ، التي تكون دائما خاضعة و في كل مجالاتها الوظائفية و التكوينية و الاسلوبية ، الى نسق بطاقة تعريفية خاصة ، حيث تكون واسطة لسير وصف منهجيتها البوحية الراهنة عبر تواصل حلقات قراءتها لمشهد الاشياء في موصوف ذاتية موطن الشاعر .. و الشاعر عبد السادة البصري في مجموعته الشعرية المعنونة ( هكذا دائما ) ما هو ألا انموذجا لمعين هذه الحالة الاسلوبية ، فالقارىء لعوالم قصائد ( هكذا دائما ) قد يلاحظ و بشكل دقيق ، بأن اجرائية كتابة و توصيف القصيدة لدى هذا الشاعر ، قد تكون أحيانا مزودة بأستجابات سياقية متشظية من زمن فعل ( الدال / الصورة / الاشارة / تكرارية الدلالة ) بيد أن فعل قراءة النص ، تبدو لنا تداولية متوقفة بموجب ممارسة تكرارية في حركة المعنى الدلالي ، من شأنها تأجيل منظومة اشتغالية معنى مقصدية الدوال الواحدية في مشهد النص .. و بعبارة موجزة أقول بمعنى مباشر و صريح ، ان استقلالية المعنى الدلالي في مشهد قصيدة عبد السادة البصري ، يبدو للقراءة الأولى ، فعلا تكراريا متشظيا ، للفهم و المعرفة و الذوق ، و هذا من
 شأنه أولا و أخيرا ، ما راح يجعل النص لدى هذا الشاعر ، يبدو كأنه عبارة عن مساحات ملفوظية و صورية خاضعة ، لحساسيات تكوينية في مقامات مجال الرؤية اللاعثورية في مرايا دلالات النص المتشظية .. من هنا فقط سوف نعاين مجسات قصائد البصري ، لعلنا سوف ننطلق منها الى مساحة قرائية رحبة و مثمرة :
الرجال ..
الرجال الخشب ..
الرجال الخشب الذين وسمتهم الشمس ..
أبرمو أتفاقية مع الطقس ..
في المطر ..
يقيمون الولائم
قرب المواقد
ورحلات صيدهم
ساعة إذ تهدأ
الريح .. ص11
من خلال هذه المقاطع الشعرية من القصيدة تتجسد لنا تشكيلية دلالية متشظية ، مصدرها سياقية الشكل و المضمون الشعري في القصيدة ، فعلى سبيل المثال ، تواجهنا لفظية دال ( الرجال ) بأكثر من حيز و فضاء و توصيف و توقع ، و لدرجة عدم انسجامها الظاهر مع دليل صورة دال ( الخشب ) أي ما معنى حدود توصيف ( الرجال ) مع مدلول ( الخشب) أو جملة ( الذين وسمتهم الشمس ) أو ( اتفاقية مع الطقس ) أو
( يقيمون الولائم ) أو مع ( الريح ) : لاشك ان عملية مراجعة هذه المقاطع منا ، تحتاج الى طبيعة فضائية خاصة في علم
 الجغرافيا و الحفريات ، ذلك لأن أزمنة متخيل التشكيل الاستدراكي للنص ، يبدو على درجة كبيرة ، من خيالات متشظية واسعة ، لاتحدها حدود ما ، حيث قامت برسمها مخيلة ذات ظرفيات مفككة ، من فعل امتلاك دلالات الزمن الحقيقي لهندسة ترابطية الاشياء :
 عند الباب .. أخلع ..
 عن كتفيك ، الشوارع
 ملاذات الارصفة
 بطاقة التموين
 الجريدة ، بقايا قصائد متناثرة ، الاقاويل ،
 بكائيات منتصف الليل ، أعقاب السكائر ،
 الاعتقالات ..ص31
 و في هذه المقطعية الشعرية ، يتبين لنا مدى علاقة الشاعر بخط تفاصيل الحياة اليومية حيث نراها تتم عبر مستويين متمايزين ، يتمثل المستوى الاول ، في أربع حركات متواترة متداخلة تتكون من أفعال و علامات ، دينامية حركة الآخر التواصلي ( الباب / أخلع / عن / كتفيك ) و عند أطارية المستوى الثاني ، يتغير مسار العلاقة و الأجراء التصوري في نسق القول ..( الشوارع / ملاذات / الأرصفة / بطاقة التموين / الجريدة / بقايا قصائد / الأقاويل / حذاءك ) . و تبعا لهذا نشاهد بأن ( مظاهر النص ) تكشف عن منظورات تواصلية حادة ، مؤدية الى أفعال تنهض بملء فراغ تجاوبات فاعلية مستوى صوت منطقة حوارية أقنعة الأشياء .. (بكائيات / منتصف / الليل / أعقاب / الاعتقالات ) و من
حدود هذه الاسطر التكرارية الناشطة في تصنيف عمليات المفتوح الدلالي ، الناتج عبر كيان خطاب الاشياء اللحظوية في قصيدة الشاعر ، و هي تستجيب لمعالجات مزدوجة التوصيف و الدلالة والتشكيل ، أي بمعنى ما ، نرى ان أفعال الكلام في صورة النص الشعرية ، راحت تسلك نحو بنية كشوفية خاصة ، من معين دلالة الانتاج الفروقي المتنامي نحو مستويات مرحلة التلاقي في المقاصد و الرؤى المخالفة ، أعتمادا على سعة طاقة دلالية تقترح تشظيات مديدة من زمن مشهدية النص الخطابية :
 على طاولة العمر
 أفترشت أمرأتي أحلامها
 رسمت ، بيتا و شجيرات و عصافير
 كبر البيت
 و أزدانة الشجيرات بالورد
 و زقزقت العصافير
 راحت في غفوة ، لم تصح منها ألا
 وطفلي الصغير يصرخ
 ماما ..ماما.. ص47
 يبدأ الراوي الشعري في هذه الاجزاء من مقاطع القصيدة ، بعملية سرد ( سير ذاتي ) حيث نراه من خلاله ، يعرف مجاهيل حياته اليومية ، أعتمادا على حساسية الامكنة و روح أختزالية استدعاء ، مراحل جغرافيته العمرية ، لذا نقرأفعاليات خطاب النص ، من أبواب و باب ، تصارعات الحدث الاشكالي ، و من مدى التلاشي في شروعات سرد الراوي الوقائعي المفرط في معاينات الملفوظ التوصيفي :
 (طاولة العمر + إمرأتي + شجيرات + غفوة + طفلي= أحلام = ذات = يصرخ ) ان محطات هذه المقاطع الشعرية ، لاشك أنها صادرة من دلالات نمو مراحل علاقة بساطة و عفوية ذاتية ، حيث تبدو ناتجة للقراءة ، من مشروع تأسيس تجربة الشاعر الجديدة . ان القارىء لتجربة قصائد ( هكذا دائما ) لعله يعاين بوضوح تام ، بأن هناك مشكلة أساسية و جوهرية في سلسلة مشروع انتاج الشاعر في قصائده هذه ، و هذه المشكلة تتركز في ميدان مقولات ( الانقطاع / تشظيات الدلالة / الصعود التكراري ) . و هذه التجليات بدورها راحت تشكل في بناء القصيدة ، نظاما خطابيا ذات مواصفات شبه غائرة في متعرجات النمو الدلالي المتكامل ، فعلى سبيل المثال ، نلاحظ ان تمظهرات شعرية الصورة أحيانا لدى الشاعر ، تأتي بطريقة المتابعة و التضافر الانقطاعي ، و ليس بطريقة السياق الصعودي المستقل بذاته و بصورة ايقافية شعرية متكاملة في بناء حيثيات المضمون الصوري ، و تبعا لهذا الامر ، نجد ان القصيدة لدى هذا الشاعر ، كأنها لفظة مكتظة بأنقطاعات اخبارية ، من شأنها التوصيل و الاتمام ، مع مصاحبات العنوانية الواسعة في مجريات خبرية النص الاستدراكية ، بل أننا مع الأسف وجدنا ، القصيدة أحيانا لدى الشاعر ، تبدو عبارة عن مخالفات دلالية إزاء عنوانات محتويات دوال النص القصدية ، و على هذا الامر ، وجدنا جميع القصائد ، مجرد علامات كلامية دون حدوث ثمة تعميق تشكيلي ، من شأنه احالة تواصيف الاشياء الى مواقع مفهومية و دلالية رصينة التشكيل و الايقاع و الرصد :
 انفلت الحالم من ذاكرة الليل
 وهام على وجهه في الشرفات
 كان يعد العدة كي يحصي أسفار
 سفائن هذي الروح
 و الروح تراها غارقة في لجة بحر هائج
 ترك الشاطيء مهووسا يتراقص والامواج
 كان النوتي يراقبه ..
 و النورس يلتقط الهمس المجبول
 بدقات القلب ..
 تستند حاضنة الافعال و الاسماء و المقاصد في مقاطع هذه القصيدة ، على أساس شبكة دائرية من علاقة فضاء ثنائية
 ( الانقطاع / الصعود ) و على هذا الشأن ، نجد دال
( الحالم ) يجسد ترجمة واسعة لصعود دال ( الليل ) داخل مضمار درجات حساسية كفاءة توقف و انقطاع ( انفلت ) و في سياق مقابل نعاين بأن دال ( الشرفات ) بات يجسد لذاته توسعا ما في جدلية علاقة ( تعاقب / تتابع ) و إزاء تماثلات دال (وجهة ) نلاحظ انغمار المعنى النصي داخل حلقات تواصلية في طريق مضمون منطقة ( انقطاع / صعود) أي بمعنى ما ، نجد بأن علامة جملة ( انفلت الحالم ) من مدلول
 ( ذاكرة الليل ) تشكل درجة انقطاعية ما ، من زمن دليل صعود دلالات ( وجهة / الشرفات / يعد العدة / هائج ) و لكن مع كل ذلك التوغل في مستوى مساحة دلالة ( الصعود ) يظل النص غير مفتوحا على تأويل ما ، لأنه يبقى يشكل استجابة صريحة و مباشرة في خطابه الاسلوبي و اللغوي و التكويني الى جهة شبه متوقفة الايحاء و الانزياح الدلالي . ان تجربة قصائد ( هكذا دائما ) تتخذ لذاتها صياغة حياتية محددة الفعل و الرؤية و الحركة ، كما ان فعل قراءتها يأتينا ، عبارة عن محاورة ما بين فعل مسار ( الانقطاع ) و فعل صفة
 (الصعود) ، لغرض الوصول الى ختامية لغة الاشياء و صفاتها الملحوظية .
 الشمس التي كنا نحلم بها
 حينما بزغت
 على وجوهنا
 لم نستثمر خيوطها جيدا
 انفرطت ..
 انفرطت من بين اصابعنا
 و صرنا نتلمس طريقنا
 عبر دهاليز مظلمة .
 تحيلنا مقاطع هذه القصيدة ، نحو فكرة مبهمة تراود مخيلة الشاعر بشكل مخفي ، في حين تتمظهر الصورة الشعرية ، على هيئة شحنة مصدرية ، أخذت تنطلق نحو اشارات اجمالية ، حيث اخذت تجعل مشاعرنا القرائية تسقط مرهفة داخل حضرة ذلك البوح الشفيف من دوال هذا النص الشعري الأخير ، فالشاعر البصري في هذه المقاطع من النص ، راح يشع بأكثر من دلالة متشظية ، حيث أخذت فينا تتشظى ، لحشدا من الانات الهاربة بحرقة و فتنة بالغة ، و هي تكرس عملية شرارة البوح ما بين ( نحلم بها ) و بين ( انفرطت ) و بين جوهرية حضور تكرارية الدلالة ، و فعل فضاء
 (تمظهرات النص ) حيث صارت تقودنا نحو دلالات حضورية ، ناتجة من سماء مداليل المرسل و المرسل أليه . ان العالم الشعري الذي يحاول ان يصل أليه عبد السادة البصري ، ما هو ألا تمثيلات متوازية من الشعور المتوغل
 في اعماق خصبة من متغيرات الذاتية الدالة في امكانية توصيف الخطاب الشعري .

التعليقات مغلقة.
أخر الأخبار